
لأنهم «أمراء»، ولأنهم «لا يشبهون أحداً»، ولأن «العثور ولو على حذاء أبي»
بات يكفي بعد طول انتظار، صرخ أهالي ضحايا الطائرة الأثيوبية المنكوبة
أمام مستشفى بيروت الحكومي أمس.
كانوا أشبه بعائلة واحدة، الكل يعرف
الكل. كأنهم مجتمعون منذ زمن بعيد. آل جابر، ووزني، وعيساوي، وكريك،
والحاج علي، وإبراهيم، والساعي، وياغي، وحايك، وصالح، وخاتون، وخزعل،
وقاطبي.
تتكئ الحاجة من آل جابر على ابن العيساوي. يساعدها على
التنقل، يقلّها بسيارته إلى منزل وزير الأشغال والنقل غازي العريضي، حيث
أرادوا رفع الصوت والشكوى من «مماطلة» يحسبونها أكيدة، ومن «مسؤولية لا
يتحمّلها أصحابها كما يجب»، ومن «تضليل» لا يفهموا أسبابه وغاياته
وأهدافه.
قهرهم البحث عن حطام وجثث على عمق 1300 متر، ومن ثم العودة
إلى نقطة الانطلاق. قهرهم «موت الأحبة ألف مرة. فيما كان بالإمكان
انتشالهم لولا الوقت الضائع...» وقد أعلنوا انتقالهم من مرحلة الحزن إلى
مرحلة الغضب. ذاك الغضب الذي حملهم على القول «دولة بدها حرق».
أرادوا
مؤتمراً صحافياً قبل الانطلاق إلى منزل الوزير، كرّروا فيه ما كانوا قد
اتفقوا عليه خارج «الهواء» أي قبل البث المباشر الذي خصصه لهم الإعلام
المرئي. يهمّهم انتشال الجثث قبل البحث عن الحقيقة خلف الصندوق الأسود.
يسألون لماذا لم يسمح للغطاسين المدنيين بالمساعدة؟ وينطلقون بتحليلات
يرونها أكيدة وواقعة «لا بدّ وأن أميركا ستتنصل من مسؤوليتها، والمقصود
شركة «البوينغ» تماماً كما الدولة اللبنانية. نحن لا نطلب التعويض ولكن
«المعتّر هم الأثيوبيون الضحايا».
يعتبر بعضهم أنهم لولا تلكؤ الدولة
عن القيام بواجباتها لكانوا رأوا ضحاياهم بأم العين للمرة الأخيرة.. «كنت
سأتعرّف إلى أخي، لا شكّ، لو كانوا انتشلوه باكراً. لكنّهم حرموني هذه
«الشوفة».
بالنسبة لذوي الضحايا فإن الدولة اللبنانية إما مستهترة
وإما متآمرة وفي الحالتين على المسؤولين الإستقالة. وقد ناشدوا بالسماح
للغطاسين المدنيين بانتشال ما بقي من جثث لأن «وجود الأجساد يصبّر
الأهل...»
تحدث باسم أهل الضحايا علي وزني الذي خسر ثلاثاً من
أقاربه، إلى جانبه كان حسن عيساوي الذي فقد والده والذي مازالت والدته
تنتظر اتصالاً من زوجها على أساس أنه ربما نجا ووصل إلى أفريقيا، «لأنهم
قالوا في «الإعلام» أن هناك سبعة أحياء بين الضحايا». عباس جابر، إبن
الضحية فؤاد جابر كان أيضاً من بين المتحدثين وقد طالب بزيادة عدد
الغواصين بحثاً عن الأحباء.
بين الخاص والعام الذي وصفوه وكرروه، برز
لديهم سؤالان: «من المسؤول عما يحدث؟ ولماذا المراوغة؟» ليبقى طلبهم
واحداً أوحد «أجساد أبنائنا»، واضعين تساؤلاتهم ومطالبهم برسم المسؤولين
وعلى رأسهم رئيس الجمهورية.
عند العريضي
عاد الأهالي واجتمعوا
مجددا لتوحيد الصوت أمام العريضي الذي استقبلهم في منزله، فاصلاً بينهم
وبين الاعلاميين. أراد العريضي لقاء هادئاً بعيداً عن عدسات الكاميرا،
أحضر الملف الخاص بالقضية، ثم رفع شكواهم مباشرة إلى رئيس الجمهورية
بالاتصال به مباشرة ونقل مطلبهم بالسماح بغطاسين مدنيين في المساعدة على
انتشال الجثث. أتاهم الجواب بأنه سيصار إلى اجتماع لاتخاذ القرار المناسب
بهذا الموضوع، كما أشار لـ«السفير» واحد من الأهالي واصفاً ردة الفعل على
المطلب بالإيجابية. أمامهم أيضاّ اتصل العريضي برئيس الحكومة وقائد الجيش،
وذلك بعد أن فسّر لهم ما عاد وكرّره في مؤتمره الصحافي، حين صرّح أنه على
الجميع استيعاب الأهل مهما علا صوتهم ومهما كان لديهم من تساؤلات.
ثم
شرح ما يجري على الأرض، فأوضح أن عمل الغواصين وعملية التصوير مستمرين
«وقد صورنا فيلماً جديداً في المنطقة نفسها وتمت مناقشته في اجتماع عقد في
السراي الحكومي اليوم (أمس)، وتمّ تكليف الغواصين بمهمتهم على ضوء
المعلومات التي حصلنا عليها بعد التصوير».
وكشف العريضي أن «الأشلاء
التي تصل إلى مستشفى رفيق الحريري الحكومي ربما تعود لجثة أو اثنتين أو
ربما لعشرين»، مضيفاً أنه تمّ استخدام كل الوسائل التي يمكن أن تستخدم في
المجال وأن ما توصلت إليه الدولة يعتبر تقدماً كبيراً.
إلى هذا أفصح
العريضي أنه بدأ العمل على تفريغ المعلومات المسجلة في الصندوق الأسود في
فرنسا بحضور البعثة اللبنانية المرسلة إلى هناك. وأنه بناء على المعلومات
المتوفرة «قد يطلب الاختصاصيون مواصلة عمليات البحث عن أجزاء جديدة من
الطائرة اذا ما اقتضت الحاجة لاستبيان الحقيقة، أو ربما استطاعوا فهم
أسباب الحادث مما هو متوفر لديهم حتى الآن». غير أن هذا لا يتعلّق بموضوع
انتشال الضحايا لأن «البحث عنهم سيستمرّ إلى حين يتخذ مجلس الوزراء قراراً
بإيقاف البحث».
إلى هذا أوضح العريضي أن مسألة السماح بغطاسين مدنيين
بالمساعدة في عمليات البحث عن الضحايا أمر عائد إلى الجيش الذي أكد أن
«لديه عناصر كافية إذا ما تقرّر زيادة عدد الغطاسين». موضحاً أن مسألة
التفتيش دقيقة جداً ولا يمكن تنفيذها بطريقة عشوائية لأن هناك آلية عمل
تسمح للغطاسين بالنزول في أوقات ولا يسمح لهم بذلك في أوقات أخرى أي عند
القيام بالتصوير.
وأكد على صعيد آخر، أن «البحث الذي تمّ على عمق
1300 متر هو نتيجة التقاط ذبذبات تبيّن أنها من وادٍ في قعر البحر، وأن
الانتقال إلى مكان آخر سببه اكتشاف أجزاء عائدة لإحدى الطائرات تبيّن أنها
لغير الطائرة الأثيوبية».
وأمس تسلّمت الدولة اللبنانية من الحكومة
السورية أجزاء من الطائرة الأثيوبية، بحسب العريضي، الذي وعد بدراسة
وتقييم أداء الحكومة اللبنانية في إدارة هذه الكارثة «علماً أن القرار
بإنشاء لجنة لإدارة الكوارث بات وشيكاً»، إلى ذلك الوقت يعتز العريضي بما
قام به برج المراقبة في مطار بيروت، وقد رجا أهل الضحايا بالإيمان بأن ما
تقوم به الدولة ليس سوى المطلوب وبأنها تبذل قصارى جهدها وبأن لا سياسة
ولا تجارة خلف عمليات الإنقاذ.
ستكشف الأيام المقبلة ما إذا بقي
هؤلاء الأهالي على شكّهم. لكنّ القضية ليست قضية شك أو يقين، فهناك أحباء
مازال البحر يخبّئهم وقد يسأل أهلهم أياً كان إن وجدوهم. هكذا غادرت منزل
الوزير إحدى الأمهات التي ما زالت تنتظر خبراً عن زوج ابنتها من آل جابر،
وهي تسأل: «ألم تجدوه؟ هو يحمل جواز سفره في حقيبة على خصره».