
المناسبة لمار مارون الذي يُحتفل غداً بالذكرى 1600
لوفاته، لكنّ لميشال عون يداً في الالتفاتة السورية الرسميّة لمنطقة هذا المؤسّس وللاحتفال به المميّز هذا العام
حلب ــ غسان سعود
ربما الصدفة أو ربما ذكاء بعض المستشارين في مطبخ السياسة السورية جعلت
اللقاء الشعبي اللبناني ـــــ السوري الأكبر في تاريخ البلدين، مسيحياً
عموماً ومارونياً خصوصاً. فعلى طول الأربعين كيلومتراً من حلب إلى براد،
كانت واضحة أمس جدية العمل لإنجاح احتفال مطرانية حلب واللاذقية للموارنة
بالذكرى 1600 لوفاة مار مارون، مؤسس الطائفة المارونية (ولد عام 370):
استُحدثت طرقات، وسِّعت الطرقات القديمة، تعرّف تراب تلك المنطقة المنسيّة
إلى الزفت، وصار للقرى على جانبي الطريق إشارات تحمل اسمها.
براد، البلدة التي يقصدها اليوم الرئيس إميل لحود ورئيس تكتل التغيير
والإصلاح العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية ووفود شعبية، كانت تعرف
بكفربردا (كلمة سريانية تعني القرية الباردة) جذبت اهتمام الباحثين
المسيحيين منذ وجدت فيها بقايا كنيسة تعود إلى عام 400 م، قيل إنها بنيت
في المكان الذي عاش فيه مار مارون. وقبالة بقايا الكنيسة، هناك قنطرة
حجرية كانت تبنى أمام ضرائح الأبطال، ما يعزز موقف المؤكدين أن ضريح
القديس مار مارون موجود هناك. هذه البلدة تمتلئ بالمحطات الأثرية، ككنيسة
جوليا نوس وبرج الناسك ودير الرهبان ومعصرة الزيتون والكنيسة الجنوبية
الغربية والحمام الروماني، لكنها في الوقت نفسه، كانت تفتقر كلّيّاً إلى
الخدمات الأساسية، كالصرف الصحي ومياه الشرب والطرق.
في براد هذه كانت الحماسة كبيرة أمس: محافظ حلب منهمك بإطلاع المهتمين على
المخطط الرسمي لتطوير المنطقة، عينا مطران حلب، يوسف أبي عاد، تؤكدان أنه
لم يعرف النوم منذ أسابيع، العمّال يستفيدون من الشمس الساطعة ليعدّوا
العدّة تحسّباً لتغيّر الطقس، الكنائس الثلاث في براد والديران وبرج
المتوحّدين والعمود النسكي لم تنم منذ يومين لكثرة العمل، المسؤولون
الرسميون السوريون يلاحقون أدقّ التفاصيل، الوزير السابق ميشال سماحة يضع
اللمسات الأخيرة في انتظار اليوم الكبير، الأكراد الذين يعيشون في تلك
المنطقة معجبون بإخراجهم فجأة من النسيان، حامدين ربهم على مار مارون الذي
أحلّ النعم عليهم.
الاحتفاليّة تبدأ من قلعة حلب (لا أحد يؤكد مشاركة الرئيس السوري بشار
الأسد، لكن لا أحد يتوقع العكس) بافتتاح معرض في قاعة العرش (لهذه القاعة
رمزيّتها في سوريا) عن مار مارون، ثم تلقى كلمات بالمناسبة قبل أن يوزع
كتاب باللغات العربيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة، عنوانه «ديار مار مارون»،
كتبه غسان الشامي، فيه روايات ووثائق جديدة عن تراث الموارنة. الأهم هنا
هو إعلان الدولة السورية أن براد وما يحيط بها بمثابة محميّة، والكشف عن
المخطط الإنمائي لهذه المنطقة الذي يشمل الكثير من المشاريع السياحية. وسط
نية سورية واضحة لإطلاق حملة دولية للتقدم ببراد على قائمة مواقع السياحة
الدينية، مع مباشرة الدولة السورية النقاش مع منظمة اليونسكو لضمّ براد
وجوارها إلى مناطق التراث العالمي.
في اليوم التالي (الثلاثاء)، هناك القداس الكبير ظهراً، حيث ينتظر أن تكون
المشاركة الشعبية ـــــ اللبنانية خصوصاً ـــــ كبيرة. ويتوقع المسؤولون
السوريون مشاركة كبيرة للسفراء الأجانب المعتمدين في دمشق، ما يسمح بإبراز
النظام السوري كحاضن لمسيحيي الشرق (هذا ما يفترض أن يؤكده الحضور الشعبي
والديني)، علماً بأن مطرانية حلب استحدثت قاعة كبيرة بجانب الكنيسة
الرئيسية في براد تتسّع لنحو 800 شخص. وكانت الدولة السورية قد قدمت
للطائفة المارونية أرض الضريح المفترض وبعض الأراضي المجاورة.
في النتيجة، يقف الموارنة في هذين اليومين ليصلّوا في طقس عاصف، مختبرين
بعضاً من ظروف حياة مؤسس كنيستهم. الحرص السوري على تكريس الطابع الديني
للمناسبة كبير جداً، لكن كل التفاصيل، من دون استثناء، رسائل سياسية.