أمن الم صالح الدوليّة جزء من أمن لبنان؟ (جورج علم)
08/02/2010 |

الأمن والعدالة، ما بين الجنرال الاسباني البرتو آسارتا كويفاس، والقاضي
الايطالي انطونيو كاسيزي، فيما الحقيقة ليست «صنع في لبنان».
تحتاج
الحقيقة عند كاسيزي الى نفس طويل، وتعاون أكبر من المجتمع الدولي، وإبرام
المزيد من الاتفاقيات مع دول لا تزال غير متعاونة، وإلى تنسيق بين مجموعة
من الحلقات المترابطة من داخل وخارج المحكمة، لتسهيل آليات عملها، من دون
إغفال البيئة الدوليّة المناسبة التي يفترض ان تفرز مناخا يوفّق بين ما قد
يصدر عنها، وبين الإمكانيّة والقدرة على وضعه موضع التنفيذ.
هذه
خلاصة سريعة مكتسبة من بعض الذين التقاهم رئيس المحكمة الدولية الخاصة
بلبنان القاضي أنطونيو كاسيزي. لقد حرص على تقديم طرح مثالي، وعرف كيف
يتنقل بين مجموعة من العناوين والمبادئ والنظريات التي ترفع من شأن
المحكمة، وتزيد من شفافيتها، ومن تلميع الصورة التي انطبعت في أذهان
الغالبيّة عن أن حكمها سيكون سيّد الاحكام، وخاتمة الاحزان.
واحتل
التمويل جانبا من المهمة، كون لبنان من المساهمين في تغطية جزء من نفقات
موازنتها السنوية. وكان حديث في المبدأ حول الاستقالات التي تجري، وظروف
كلّ منها، والخبرة التي يتمتع بها فريق العمل المتكامل، وإيجاز ما تمّ
إنجازه حتى الآن، وما يترتب على المحكمة فعله خلال هذا العام، والتعاون
القائم مع القضاء اللبناني، وكيفيّة توثيقه لضرورات البحث عن الحقيقة.
ونفى
ان يكون توقيت الزيارة متعمّدا مع اقتراب ذكرى 14 شباط، مشيرا الى عامل
الصدفة الذي حقّق التزامن ما بين موعد زيارته الاولى الى لبنان، وذكرى
اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. لكن في صفوف اللبنانيين من يرى العكس،
ويؤكد أن التوقيت مدروس بدقة، ولا شيء اسمه «صدفة» عند هذه النخب، وإن كان
كذلك فهو خير من ميعاد، لأن الزيارة، وفي هذا الظرف تحديدا قد أسهمت في
تحريك المشاعر المتعاطفة مع المحكمة، خصوصا في صفوف قوى 14 آذار، التي
تستعد للتجمع في ساحة الشهداء إحياء لذكرى 14 شباط الأليمة.
وبقي السؤال: هل يستمر كاسيزي في منصبه الى حين صدور القرار الاتهامي، أم أن العمر له استحقاقه؟.
إن
أحدا من المسؤولين لم يشر بوضوح الى طرح هذه المسألة. إلاّ ان دبلوماسيين
متابعين يؤكدون على ان كاسيزي ينظر الى مستقبله بقدر ما ينظر الى مستقبل
المحكمة، ويحاول ربط وشائج من التعاون والثقة مع المسؤولين اللبنانييّن
كقوّة احتياط يمكن اللجوء اليها إذا ما دعت الحاجة، وفي الوقت المناسب،
لتقرير مستقبله، بقاء او خروجا من تحت قوسها.
ويتابع الأوروبيون عمل
المحكمة على طريقتهم. إنها بالمطلق مؤسسة قائمة بذاتها لها استقلاليتها،
إلاّ أن عملها سيبقى له المفعول السحري على المجريات السياسيّة الداخليّة،
بمعنى أن الجميع ينادي بها في العلن، لكن عند البحث في الكواليس تظهر
أسئلة من نوع آخر تنطوي على مخزون من المخاوف: هل إن الحقيقة التي قد
تنتهي اليها ستخدم الأمن والاستقرار، أم ستعرّضهما للخطر؟. وهل ان
اللبنانيين سيقفون صفّا واحدا وراء العدالة الدوليّة أيّا تكن مضبطة
الاتهام، أم أنها ستودي بما يكون قد بقي لهم من وحدة هشّة تحميها الآن
لعبة مصالحهم الخاصة؟.
ويحتلّ الأمن والعدالة كفتي الميزان، فأي أمن
يريد اللبنانيون في الجنوب؟، وهل يملكون نظرة واحدة للقرار 1701 وكيفيّة
تطبيقه، أم يتركون الأمر رهن الظروف والتطورات على اعتبار أن «لكل ساعة
ملائكتها؟».
ويتسلّم الجنرال الإسباني كويفاس قيادة «اليونيفيل» من
الايطالي الجنرال كلاوديو غراتسيانو، مع مدوّنة صغيرة. حاول الأخير أن
ينهي خدمته بتحقيق إنجاز، كأن يقدم للبنانيين، ولرؤسائه في الامم المتحدة،
بلدة الغجر محررّة موحّدة، فإذا بالإسرائيلي يأخذه الى متاهات أخرى للهروب
من هذا الاستحقاق نحو مستحيلات يعرف بأنها مرفوضة سلفا من الجانب
اللبناني. وحاول أن يحدّ من الخروقات للخط الأزرق باعتماد ديناميّة تنسيق
وتواصل تحت سقف القرار 1701، لكنه كان يفاجأ في مرات كثيرة بتصرفات
متناغمة من قبل الجهات المعنيّة تؤكد على المصلحة المشتركة في ان يبقى
الوضع ممسوكا ضمن حدود المعادلة السائدة حاليّا. وحاول تفعيل عمل اللجان
العسكريّة المشتركة في الناقورة لتأخذ روح المبادرة في معالجة الكثير من
الثغرات والقضايا العالقة، لكن التجاوب كان مزاجيّا، ولا يستند الى أي
قاعدة، بدليل ان اجتماعات كانت تلتئم بسرعة قياسيّة، فيما أخرى كانت
تستنزف مجهودا كبيرا من الاتصال والتحضير.
وتلحظ السيرة الذاتية
للجنرال الإسباني الكفاءة، وروح المبادرة. إنه عسكري صاحب طموح، ونظرة
واقعيّة الى مجريات الأمور، همّه الحفاظ على عديد «القبعات الزرق» وحماية
عناصرها من عدوى التخفيض والانسحاب، وهمّه حماية هذه العناصر ومواقع
انتشارها من أي عمل إرهابي يستهدفها، وهمّه تفعيل روح التعاون بين
«اليونيفيل» والجيش اللبناني والمواطنين لخلق مساحة مشتركة من التفاعل
والاستقرار.
ويأتي الجنرال كويفاس ليعد بتحقيق الأمن والسيادة، فيما
يأتي القاضي كاسيزي ليعد بكشف الحقيقة والعدالة، وسط «كسوف وطني كبير»
لاحظه وعبّر عنه ميخائيل غورباتشيف قبل ان يغادر، حيث لاحظ أن السيادة لا
تزال أمنية، وستبقى حتى إشعار آخر رهينة المصالح والأهواء لاعتبارات أهمها
التباينات العميقة في وجهات النظر حول الخيارات الوطنيّة حيث هناك مصطلحات
كبرى في حياة اللبنانيين قد استهلكت وفقدت معانيها. هناك حرص على السيادة
والاستقلال ووحدة الارض والشعب والمؤسسات، وبناء الدولة القوية القادرة
والعادلة، يقابله خلاف عميق حول الخيارات، وجدوى الكيان، ووظيفة هذا
الكيان، واتجاهات هذا الكيان. وما يجمع ربما هو الخوف المشترك من المستقبل
المجهول.
ويتمثّل المجهول الداهم بالتهديدات الإسرائيليّة التي اتخذت
في الآونة الأخيرة منحى تصعيديّا استدعى من إسبانيا الرئيس الدوري للاتحاد
الأوروبي تحرّكا استثنائيّا، للإبقاء على ديناميّة المساعي السلميّة في
المنطقة، ودينامية الاجتماعات والاتصالات للبحث عن الحلول والمخارج
للملفات المعقدة. وإذا بالمحصلة وفق الآتي: هم إسبانيا توفير مستلزمات
النجاح للجنرال كويفاس في مهمته، والحرص على سلامة «اليونيفيل»، والعمل
على تعزيز دورها ومكانتها للمساهمة في تطبيق القرار 1701. السعي لنزع فتيل
المواجهة، وحصر التهديدات الإسرائيليّة ضمن مثلث من حركة الاتصالات مع كل
من الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، وأيضا مع الدول الإقليميّة
المؤثرة. أما النتيجة حتى الآن: تطمينات من دون ضمانات، اضافة الى ملاقاة
مهمة السناتور جورج ميتشل لإحداث اختراق ما يؤدي الى تحريك المسارين
الفلسطيني والسوري.
ومع أمن إسباني ـ دولي، وعدالة إيطاليّة ـ
دوليّة، «تترسخ» جذور السيادة في وطن دستوره مستورد من الطائف، وتسويته
الداخليّة مستوردة من الدوحة، ومرتكزات علاقاته مستوردة ضمن سلّة من
القرارات الدوليّة، فيما اللبنانيون يختصمون حول من هم حماة الأرز، ومبادئ
«ثورة الأرز؟!».