تقول الحكاية أن ثلاثة أشخاص التقوا في طريق. سئل الأول عن اسمه ، فقال النار، وعن عنوانه أجاب : حيث الدمار والخراب ، حيث السواد والبؤس والحزن، هناك عنواني. سئل الثاني عن اسمه، فقال الماء، وعن عنوانه أجاب: حيث الأشجار والأزهار ، حيث الخضار حيث الفرح، هناك عنواني. سئل الثالث عن اسمه، فقال الوفاء ، وعن عنوانه أجاب : أنا لا عنوان لي.
الوفاء صار بلا عنوان. الانهيار في مجتمعنا تجاوز كل الحدود. لم يعد هناك من ضوابط اخلاقية لسلوك الكثيرين. أصبحت الاستقامة تهمة، والصدق تهمة والاخلاص تهمة. بعض الناس يغيرون مواقعهم ومبادئهم كما يغيرون ثيابهم. يتنتقلون من لون الى لون، ومن حزب الى حزب، ومن دولة الى دولة وكأن شيئاً لم يكن. من أقصى اليسار الى أقصى اليمين يتحركون ، ومن المواقع الأكثر اعتدالاً الى المواقع الأكثر راديكاليةً. ينتمون الى مصالحهم وهم أوفياء لهذه المصالح فقط، وحيث تتأمن هذه المصالح يكونون. ذاكرتهم ضعيفة، ينسون بسرعة عهودهم ووعودهم. ليس لديهم أدنى أمانة لمبادئ ولقيم طالما آمنوا وكتبوا ونادوا بها.
وهناك فئة ثانية من الناس مجبولة بالأمانة والأصالة. لا تبيع صداقاتها بكل كنوز الأرض ولا بأي مركز أو سلطة. تتمسك بأفكار آمنت بها وعملت لأجلها. تقاتل من أجل قناعات بنتها على الأيام. تفضل ألف مرة الخسارة مع من قاتل وبذل وتعب من أجلها، على الربح مع من كان يحفر لها الخنادق ويحاربها. شيمتها الوفاء والاخلاص وهاجسها البذل والعطاء.
في هذا الزمن الرديء كم يحلو التذكير بأن زحلة كانت دائماً دار الوفاء. كانت وما زالت موطن الرجال الأشداء، الرجال الذين يحملون صلابة الجبال، الرجال الذين يبذلون أغلى ما يملكون دفاعاً عن كلمة، عن إيمان، عن موقف، عن قناعة ، عن عهد أو وعد. هؤلاء الرجال هم بناة الأوطان، وهم يعرفون أن التاريخ يذكر الأوفياء لا ضعفاء النفوس والغادرين.