كلمة المطران عصام يوحنا درويش بمناسبة مرور عشرين عاماً على وفاة الزعيم جوزف بك سكاف
أيها الأخوات والأخوة الأحباء
" ذكر الصديق يدوم إلى الأبد، قلبه مستعد ومتكل على الرب، قلبه ثابت لا يتزعزع وبرّه دائم، يرتفع قرنه بالمجد" (مزمور 111) بهذه العبارات يصف الكتاب المقدس الإنسان الصِدّيق الذي يعمل الخير والبر في حياته، الذي يكرس حياته لخدمة الآخرين، الصدّيق هو الذي يترك أثرا طيبا في تاريخ الناس.
بالعبارات ذاتها نصف المرحوم جوزف سكاف في ذكراه العشرين. فنتذكر رجلا ساهم في كتابة تاريخ زحلة والبقاع ولبنان، في حقبة تكاد الزعامات تغيب، فقد أثبت بامتياز أنه الأقوى دون أن ينسى بأن الأكبر في هذا العالم هو المتواضع والمعطي. لقد أحب زحلة وجعل من البقاع مثالا للعيش المشترك والانفتاح والتآخي بين مختلف العائلات الروحية، فكيف لا يكون صدّيقا، بارا وحكيما.
إن الرب يريدنا أن نكون حكماء في هذه الحياة، فالحكماء هم الذين يحفظون المقدسات وهم الذين يعملون لخلاص أوطانهم، فلهم ذكرى عند الناس لأنهم كانوا قدوة، ولهم حب من الناس لأنهم بذلوا ذاتهم في خدمتهم.
"ذكر الصديق يدوم إلى الأبد" وذكرى الراحل الكبير جوزف سكاف سيدوم كما يقول الكتاب المقدس ولن يبرح ذاكرتنا ولن يغادر تاريخنا ما دام نهج جوزف سكاف الأب حيّا بنهج وقيادة الابن ايلي الحكيمة، سيبقى الانفتاح على السهل الواسع الطريق الأفضل لترسيخ الوجود المسيحي في هذا البقاع المعطاء.
أيها الأخوات والأخوة
نحن نحيي اليوم ذكرى رجل مات منذ عشرين سنة وغادرنا إلى حياة أخرى. أنا كمسيحي لا يمكن أن أفهم هذا الموت إلا في ضوء قيامة المسيح التي تجعلنا نؤمن بالحياة الأبدية. فالموت الذي يطال كل واحد منا يجعلنا نبحث في داخلنا عن أفق جديدة في علاقاتنا الإنسانية كما أنه يحفزنا على تجديد إيماننا بالخالق لأننا نرفض أن يضمحل كل ما حققناه من خير أثناء وجودنا على هذه الأرض.
فليكن هذا اليوم الذي نحتفل به بذكرى كبير من رجالاتنا، محطة تفكير لنؤكد بأننا تواقون إلى هذه الأبدية التي وعدنا بها المسيح عندما قال: "أنا القيامة والحياة، من آمن بي وإن مات فسيحيا، وكل من يحيا ويؤمن بي لن يموت للأبد". لقد سمعنا ما جاء في الإنجيل المقدس بأن الذين أطعموا الجياع وسقوا العطشى وأعادوا المرضى وكسوا الفقراء يستحقون أن يُدعوا صدّيقين ومباركين. جوزف سكاف هو من هؤلاء الذين وضعوا ثروتهم في خدمة الناس فكان مدرسة في العطاء ونبذ التعصب والطائفية وبطلا من أبطال العيش المشترك، وهو بالتالي استحق أن يسمع كلام الرب: "تعال يا مبارك أبي، رث الملك المعد لك" (متى 25).
اليوم أيضا مناسبة لنؤكد بأننا شعبٌ يتوق إلى السلام، نريد أن ننعم بالسلام والاستقرار ونريد أن نكف عن القلق وعن التساؤل عن مستقبل المسيحيين في هذه المنطقة، فنحن أبناء هذا الوطن وكنا على ممر الزمن جزءا من تاريخ هذه المنطقة. لكن التجذر في هذه الأرض يتطلب السلام والسلام يتطلب منّا جهادا وانفتاحا على الآخر مهما كانت آراؤه السياسية أو معتقداته الدينية. لذا نريد أن نشجع في أبرشيتنا الحوار بين الأفرقاء كافة ليعملوا معا من أجل خير الناس، كما نريد أن نشجع الحوار بين الأديان لكي نفهم كلنا بأننا نعبد الإله الواحد الذي خلقنا على صورته ومثاله ولكي نقتنع بأن إلهنا ليس إله حرب بل هو "إله الحب والسلام" (2كور 13/11). ومن واجبنا جميعا أن نطهر باستمرار المفاهيم الخاطئة عن دين الآخر والتي رسخت في عقولنا عبر الزمن ليكون الدين وسيلة تلاق وتآخ وسلام بين البشر. دعوني أذكركم بما قاله بولس الرسول: إن يسوع المسيح "َ جَعَلَ مِنَ الشَّعْبَيْنِ واحِدًا، إِذْ نَقَضَ الحائِطَ الحاجِزَ بَيْنَهما، أَيِ العداوة (أفسس 14:2-17)؛ فكيف نعمل نحن البشر على التفرقة وبناء الحواجز بين الناس بدل أن نكون جسور محبة بينهم؟
إن أبرشيتنا الملكية تشعر اليوم بفخر بوجودكم كثيرين في مقام سيدة زحلة والبقاع تحيطون بالأخ والصديق معالي الأستاذ ايلي سكاف ليكمل الرسالة ويحمل المشعل وهّاجا، فأنتم أيها الأخوات والأخوة حراس هذه المدينة ودعوتكم أن تحافظوا على وحدتها وعلى التآخي فيها، فزحلة مدينة لم تعرف يوما الطائفية ولم تعرف إلاّ الانفتاح وهي تنشد باستمرار حرية القرار فيها. بهذا يمكن أن نحافظ على ذكرى من سُمي ب "زعيم البقاع" ورائد العيش المشترك وصاحب المواقف الوطنية الصادقة جوزف سكاف.
ختامًا أود أن أؤكد أننا سنعمل دوما جنبا إلى جنب، مع القادة السياسيين والأمنيين ومع ذوي الإرادات الطيبة، من أجل وحدة المدينة ولن نتخلى عن التزامنا العمل لأجل السلام فيها وعن تثبيت الوجود المسيحي في هذه المنطقة. فنحن يُحركنا توق بأن نكون "حجاج الحقيقة".
باسم صاحبي السيادة المطرانين أندره ونيفن نجدد محبتنا لمعالي ايلي سكاف وعائلته وللسيدة شانتال سكاف ونطلب من الرب أن يبارككم جميعا بشفاعة الأم العذراء مريم حارسة هذه المدينة، بنعمة الآب والابن والروح القدس